أخْبَار: لَمْ تكدْ أجواء التهدئة تحظى ببعض الاستقرار النسبي حتى عادت آلة الدمار لتفرض إيقاعها الدموي من جديد على قطاع غزة، في مشهد بات يتكرر كلما لوح الأفق ببارقة أمل قريبة. إن ما نشهده اليوم على الأرض ليس مجرد ردود فعل عسكرية عابرة، بل هو استراتيجية ممنهجة تعكس رغبة واضحة في تقويض أي مسار دبلوماسي محتمل قبل أن يشتد عوده.
من الناحية الميدانية، يكفي أن نلقي نظرة سريعة على طبيعة العمليات الأخيرة لنفهم حجم التحول السلبي؛ فعمليات النسف الممنهج للأحياء السكنية الكاملة واستهداف الصيادين في عرض البحر تؤكد أن بنك الأهداف الإسرائيلي يتسع ليطمل كل تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني، محولاً القطاع إلى رقعة شطرنج يحركها العبث العسكري المطلق.
وقد جاء الموقف الأخير لحركة حماس ليضع النقاط على الحروف، معتبراً هذا التصعيد الميداني المكثف بمثابة إعلان صريح عن التملص من الاستحقاقاتی المتفق عليها. من منظور تحليلي، تعتقد القيادة الحمساوية أن حكومة الاحتلال تحاول فرض واقع ميداني جديد بالنار والحديد لتحسين شروط التفاوض المستقبلية، وهو رأس هرم استراتيجي دأبت تل أبيب على استخدامه تاريخياً.
وبعيداً عن رمال غزة المتحركة، لفت انتباهي وأنا أتابع المشهد السياسي الرياضي في أوروبا اليوم، كيف أن عالم كرة القدم الأوروبية يعرف بدوره كيف يتعامل مع الأزمات الطارئة وإعادة الجداول، لكن شتان ما بين إدارة أزمة رياضية هدفها المتعة، وإدارة أزمة إنسانية تُزهق فيها أرواح الأبرياء وتُهدم البيوت فوق رؤوس قاطنيها بغطاء سياسي فاضح.
إن هذا التناقض الصارخ بين ما يدור في كواليس الدبلوماسية وما ينفذه الجيش على الأرض يضع المجتمع الدولي برمته أمام اختبار أخلاقي حقيقي. فالصمت المطبق على هذه الانتهاكات يمنح الضوء الأخضر لمزيد من التعنت، ويجعل من اتفاقيات وقف إطلاق النار مجرد حبر على ورق لا قيمة له سوى إعطاء هدنة تكتيكية للمعتدي.
وعلى الصعيد الإنساني، يتحمل المدنيون وحدهم فاتورة هذا التعنت السياسي العنيف. فكل منزل يتم تسويته بالأرض يعني فصلاً جديداً من النزوح والمعاناة التي لا تنتهي لعائلات بأكملها وجدت نفسها فجأة بلا مأوى، في ظل حصار خانق يمنع وصول أبسط مقومات الحياة الأساسية.
في الختام، يبدو أن جولات المفاوضات القادمة ستكون محفوفة بالمزيد من الألغام السياسية والميدانية. إن إحياء مسار السلام يتطلب أكثر من مجرد وساسات تقليدية؛ إنه يحتاج إلى إرادة دولية جادة تفرض التزامات حقيقية على الطرف المعتدي، وإلا فإن دائرة العنف ستظل تدور بلا توقف، حارقةً في طريقها كل فرصة ضئيلة نحو الاستقرار المنشود.
تعليقات
إرسال تعليق