أخبار - تشهد مرتفعات عجلون الخلابة هذه الأيام حراكاً فكرياً لافتاً، حيث تتفاعل طاقات الجيل الناشئ بشكل يبعث على التفاؤل والأمل بمستقبل أكثر إشراقاً ووعياً. لم يعد الحديث هنا عن مجرد لقاءات عادية، بل عن مساحة حقيقية لصقل العقول وتدريب الألسنة على فنون الحوار الراقي وقبول الرأي الآخر بكل رحابة صدر.
لقد انطلقت مؤخراً فعاليات تدريبية مكثفة تركز على مهارات السرد المنطقي ومقارعة الحجة بالحجة، وذلك في حاضنة الشباب المعروفة بتنظيمها المستمر للأنشطة التنموية في المحافظة. هذا التعاون المشترك بين الجهات الشبابية ومؤسسات المجتمع المدني يثبت مجدداً أن الاستثمار الحقيقي يكمن في بناء قدرات الإنسان وتوسيع مداركه.
من منظور شخصي، أرى أن تدريس فن المناظرات للشباب يتجاوز بكثير حدود الفوز في النقاش؛ إنه أداة أساسية لبناء الشخصية القيادية. عندما يتعلم الشاب كيف يستمع بعمق، ويفكك الأفكار، ويرد عليها بأدلة موضوعية دون تجريح، فإننا نحصل حتماً على مواطن صالح قادر على قيادة التغيير الإيجابي في مجتمعه.
وفي سياق متصل، يبدو أن الشغف الرياضي الأوروبي، وخاصة حماس ملاعب كرة القدم الذي يتابع شغفاً هذه الأيام، يشبه إلى حد كبير روح المناظرة؛ فكلا المجالين يتطلب عملاً جماعياً، واستراتيجية دقيقة، وقدرة فائقة على قراءة تحركات الخصم بذكاء وسرعة بديهة، وإن اختلف ميدان المعركة بين المستطيل الأخضر وقاعة النقاش.
إن تمكين الشباب عبر هذه البرامج النوعية يردم الفجوة بين الفكر النظري والممارسة العملية. فالتحديات الكبرى التي تواجه مجتمعاتنا اليوم تحتاج إلى عقول واعية تتقن لغة الحوار المبني على الحقائق، بعيداً عن التعصب أو التمترس خلف الآراء الأحادية، وهو ما تسعى هذه الدورات لترسيخه في وجدان المشاركين.
مما لا شك فيه أن مشاهدة هؤلاء الفتيان والفتيات وهم يتنافسون بالحجة والبرهان تمنحنا شعوراً بالطمأنينة تجاه الغد. إنهم لا يتدربون فقط على إلقاء الكلمات، بل يتعلمون فن صناعة القرار وتحمل مسؤولية الكلمة المكتوبة والمنطوقة في عالم يتسارع فيه تدفق المعلومات.
وفي الختام، يظل الاستثمار في عقول الشباب الرهان الأجمل والأكثر ضماناً لأي مجتمع يسعى نحو النهضة. إن تحويل طاقات الجيل الجديد إلى طاقات إيجابية منظمة عبر فن المناظرات هو الخطوة الأولى نحو بناء مجتمع ديمقراطي متسلح بالعلم والمعرفة والقدرة على صناعة الحلول البديلة.
تعليقات
إرسال تعليق